ابن قتيبة الدينوري
79
الإمامة والسياسة ( بيروت )
كنتما أخطأتما فقد أصبتما ، وأنتما اليوم خير منكما أمس . فقال مروان : أما أنا فهواي الشام ، وهواكما البصرة ، وأنا معكم وإن كانت الهلكة . فقال سعيد بن العاصي : أما أنا فراجع إلى منزلي . فلما استقام أمرهم ، واجتمعت كلمتهم على المسير ، قال طلحة للزبير : إنه ليس شيء أنفع ولا أبلغ في استمالة أهواء الناس من أن نشخص لعبد اللَّه بن عمر ، فأتياه فقالا : يا أبا عبد الرحمن ، إن أمنا عائشة خفت لهذا الأمر ، رجاء الإصلاح بين الناس ، فاشخص معنا ، فإن لك بها [ ( 1 ) ] أسوة ، فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها . فقال ابن عمر : أيها الشيخان ، أتريدان أن تخرجاني من بيتي [ ( 2 ) ] ، ثم تلقياني بين مخالب ابن أبي طالب ؟ إن الناس إنما يخدعون بالدينار والدرهم . وإني قد تركت هذا الأمر عيانا في عافية أنالها . فانصرفا عنه . وقدم يعلى بن منبه عليهم من اليمن ، وكان عاملا لعثمان ، فأخرج أربع مائة بعير [ ( 3 ) ] ، ودعا إلى الحملان ، فقال الزبير : دعنا من إبلك هذه ، وأقرضنا من هذا المال ، فأقرض الزبير ستين ألفا ، وأقرض طلحة أربعين ألفا ، ثم سار القوم ، فقال الزبير : الشام بها الرجال والأموال ، وعليها معاوية ، 86 وهو ابن عمّ الرجل ، ومتى نجتمع يولنا عليه ، وقال عبد اللَّه بن عامر : البصرة ، فإن غلبتم عليا فلكم الشام ، وإن غلبكم علي كان معاوية لكن جنة ، وهذه كتب أهل البصرة إليّ ، فقال يعلى بن منبه ، وكان داهيا : أيها الشيخان ، قدرا قبل أن ترحلا أن معاوية قد سبقكم إلى الشام وفيها الجماعة ، وأنتم تقدمون عليه غدا في فرقة وهو ابن عم عثمان دونكم ، أرأيتم إن دفعكم عن الشام ، أو قال : اجعلها شورى ، ما أنتم صانعون ؟ أتقاتلونه أم تجعلونها شورى فتخرجا منها ؟ وأقبح من ذلك أن تأتيا رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه ، وتريدا أن تخرجاه منه ، فقال القوم : فإلى أين ؟ قال : إلى البصرة ، فقال الزبير لعبد اللَّه بن عامر : من رجال البصرة ؟ قال : ثلاثة ، كلهم سيد مطاع ، كعب بن سور في اليمن ، والمنذر بن ربيعة في ربيعة ، والأحنف بن قيس في مضر . فكتب طلحة والزبير إلى كعب بن سور : أما بعد ، فإنك قاضي عمر بن الخطاب ، وشيخ أهل البصرة ، وسيد أهل
--> [ ( 1 ) ] في فتوح ابن الأعثم 2 / 278 بنا . [ ( 2 ) ] زيد عند ابن الأعثم : كما يخرج الأرنب من جحره . [ ( 3 ) ] في مروج الذهب 2 / 394 أعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة ألف درهم وكراعا وسلاحا ، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكرا وكان شراؤه باليمن مائتي دينار . وعند ابن الأثير 2 / 313 : ستمائة بعير وستمائة ألف درهم .